الـطـُــوفــَـان
في بداية الخليقة، حين امتلئتِ الأرض بالفساد، و انحسر الخير ليغطي بقعة صغيرة فقط ، و انسلخ الإنسان من جلد انسانيته، و ارتدى جلد الكلاب و الأفاعي و الشياطين، حان عندها موعد الطوفان، يغسل الأرض و يطهرها بعدما دنـّسها البشر. تنتقل الفئة الصالحة بعيداً عن أرض الضلالة، و يمحو الله الخطيئة بأصحابها لتعود الأرض نظيفة كما خـُلقت.
فهل حان موعد الطوفان ؟!!
الصورة الممتلئة بكافة أشكال الإرهاب و السرقة و الظلم و الكراهية و الانقسامات، هل حان الوقت لغسلها ؟! فلقد تعذ ّر محو الأثار، لم تعد الخطيئة بقعة تلطــّخ ثوب الإنسانية، و إنما أصبحت الإنسانية بقعة صغيرة في ثوب الرذيلة الواسع.
أحيانـاً لا يُجدي الإصلاح، و يكون الأجدى هو هدم الموجود و بناء غيره، حرق الموجود و انشاء غيره، محو الموجود و إيجاد غيره. أصبح من الصعب غرس النبتة و انتظار ثمارها في حين أنّ الشمس ممنوعة، و الماء ممنوع، و المُطالبة بحق النبتة ممنوع، و بين هذا السيل من الممنوعات لم تعد الصرخة تجدي نفعـاً، لم تعد سوى تحصيل حاصل.
هل الطوفان هو الحل ؟!
لقد سئمنا ما نحن فيه، سئمنا الظلم و أهله، و من يرضى به! و لا سبيل لتغييره و لا تعيين رقيب عليه، و لم نعد نملك ردُّه و لا الموافقة عليه، حتى أنّ الخيط الذي يمكن أن يتعلــّـق به الغريق في بحر الدنيا انقطع سببه بين الناس، و لم يعد سوى حبل الصبر موصولا ً بين الناس و بين الله ، و ليته قويـاً، فكثيراً ما نجزع و ننقم، فهل يستجيب الله دعاء المظلومين و يرسل الطوفان يغسل الأرض من رجس من دنسوها ؟! و هل عندها تبقى فئة صالحة لكي تنبت جسد جديد للإنسانية ؟! أم يكون هو الطوفان الأخير حيث لم يعد من الإنسانية ما يصلح للنبت ؟!
تتوالى النقط السوداء في السقوط على الرداء الأبيض، و بعد أنْ كـنــّـا نحتسبها بقعـاً نرجو زوالها، تكاثرت حتى صرنا نرجو بقاء نقطة لم يلطخها السواد.
لمن تشتكي و كل من يسمعوك صُمـّـاً، و كل من يبصروك عميانـاً، و لا تـُمد لك كف إلا التي تلقيك في السجن، أو التي تقتص منك، و لأي شئ ! لا تدري، و لعلها تنتقم من إنسانيتك، حيث أنه تكوّن مسخ من بقايا الإنسانية الفاسدة صار يأكل كالوحش الجائع كل ما تبقى من جسد الإنسانية الأم.
من يرعاك بين الناس و كل الناس يسعى ليرعى نفسه، و من سيسعى على معاشك أو رد مظلمتك، فكل الناس باعوا كل الناس، فتحْت وطأة الحذاء ينسى كل خـِـلّ خليله، و ينسى كل امرئ أمه و أبيه، و صاحبته و بنيه، فلكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه.
يالله، و كأننا في يوم القيامة، حيث أصبح عبيد الأرض سادتها، و تسيّدوا على غيرهم من العبيد، و لا هم لامرئ سوى نفسه، و من غيره لا يهم إن عاش و إن مات، فالكل يقول أنا و من بعدي الطوفان .!!
فهل هذا هو موعد الطوفان ؟!!
منقووووووووووووول
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]